خمسة وعشرون عامًا… عمر شاباً يافعاً
ليست مجرد سنواتٍ مرت، ولا أرقامًا نحتفل ببلوغها، بل خمسة وعشرون عامًا من الحكايات، والمواقف، والوجوه التي تركت أثرًا، والقلوب التي تعلّمت أن العطاء ليس مجرد فعل، بل أسلوب حياة.
خمسة وعشرون عامًا عاشتها حركة الكشافة في كنيسة القديسة كاترين، جيلًا بعد جيل، حاملةً رسالةً أعمق من مجرد الاجتماعات والرحلات والمخيمات. رسالةٌ أرادت، وما زالت تريد، أن تصنع إنسانًا صالحًا، ومواطنًا نافعًا، يعرف قيمة المسؤولية، ويحترم الآخر، ويخدم مجتمعه، ويترك المكان أفضل مما وجده..و الأهم بحاله كامله من انكار الذات. لم أكن أدرى و انا انضم للمجموعة عام 2005 ان السنون ستجرى و سأكون صداقات بهذا العمق و ستُكون فىَ انا تلك الخبرات. احتوتنى أبو الهول, أعطتنى و علمتنى و شاركتنى.
منذ عام 2001, سلمت الأجيال بعذها بعض مسيرة القوة و الحكمه, المكان واحد, أجيال عدة اجتمعت على حب لونين..القوة و الحكمة.
وعلى مدار خمسة وعشرين عامًا، لم تكن المسيرة دائمًا سهلة، ولم تكن الطرق دائمًا ممهدة. مررنا بتغيرات كثيرة، مشاكل كادت تودى بحياه المجموعة, و استمررنا بنعمة خاصة من الله وكبرت الأجيال، وتبدلت الوجوه، وتغيرت الحياة من حولنا، و لكن بقيت الكشافة في قلب القديسة كاترين مساحةً نتعلم فيها كيف نكون أفضل؛ كيف نكون أنفسنا و كيف أتعلم من غيرى اذا تركت له مساحة ان يكون نفسة, كيف نعمل معًا، كيف نتحمل المسؤولية، كيف نواجه الصعاب، وكيف نضع دائمًا مصلحة من حولنا قبل راحتنا الشخصية..
في هذه المسيرة، لم نكن وحدنا
كان معنا آباء وأبناء وأصدقاء وقادة وقائدات، شاركونا الخيام والطرق والرحلات والاجتماعات والصلوات والضحكات، و قادة تركوا وقتهم و جهدهم لخدمتنا, أحبونا و صبروا على الثمر..صنعوا معنا ذكريات ستظل حاضرة مهما تغيرت السنوات
وبينما نحتفل اليوم بهذه المناسبة، لا يمكن أن ننسى أولئك الذين سبقونا إلى السماء..
هناك من كانت لهم في هذه المسيرة بصمات لا يمكن أن تُمحى، وهناك من رحلوا بأجسادهم، لكنهم تركوا أرواحهم معلقةً في كل زاوية من زوايا الحركة, مرشد مجموعتنا مثلث الرحمات سيدنا يوسف حنوش, أبونا ميشيل الياس, البراعم جورج محفوظ و مابيللا ماجد, حارس كنيستنا عادل منير و حبيبنا الجوال يوسف هانى (جيكو) وفي كل حكاية تُروى عن أحد مخيماتنا، وفي كل تقليد ما زلنا نتمسك به، وفي كل برعم نراه اليوم يخطو أولى خطواته في عالم الكشافة, سنحكى عن عائله كبيرة, مترابطة و وجودها اليوم هو نتاج سلسله متصله منذ 25 عام.
رغم اختلاف أعمارهم, تعلمت ان الإنسان قد يرحل، لكن أثره لا يرحل. وأن العطاء الحقيقي لا ينتهي بانتهاء صاحبه، بل يستمر في من تعلم منه، وفي من أحبّه، وفيمن حمل رسالته من بعده. تظل المحبة هى أشرس قوة على وجة البسيطة.
ولذلك، فإننا حين ننظر إلى خمسة وعشرين عامًا من تاريخ أبو الهول، لا نرى فقط عددًا من السنين؛ نرى سلسلةً طويلة من الأيدي التي تشابكت، والقلوب التي أحبّت، والعقول التي اجتهدت و فكرت. أتذكر كلمة القائد العام فى احدى مخيمات القادة “قادة الكشافة هم فقط من يخدمون, يعطون..ويدفعوم من جهدهم و وقتهم بل و جيوبهم…و يجنون المقابل حب خالص”
سعادتى كانت لا توصف و أنا ارى قائدًا كان يومًا برعماً، ثم وقف يومًا أمام فرقة جديدة ليعلّمها ما تعلّمه هو..أرى برعماً صغيرًا دخل أول اجتماع له بخجل، ثم أصبح شابًا يعتمد عليه الجميع. ونرى أمًا وأبًا وثقا في الحركة، لأنهما آمنا أن أبناءهما لا يتعلمون فيها كيف يقيمون خيمةً أو يشعلون نارًا فقط، بل يتعلمون كيف يصبحون بشرًا أفضل.
وهذه هي القيمة الحقيقية للكشافة
فالكشافة ليست غايتها أن نصنع أفضل مخيّم، أو أقوى فرقة، أو أكثر الأشخاص مهارة في الرحلات والمغامرات. كل ذلك مهم، لكنه ليس النهاية, و الدليل ان الذكاء الاصطناعى حالياً يقوم بكل ذلك بكفاءة مثاليه.
النهاية الحقيقية هي الإنسان
أن نخرج من الكشافة مواطنًا صالحًا، نافعًا لنفسه ولأسرته وكنيسته ومجتمعه ووطنه. إنسانًا يعرف معنى الالتزام، ويؤمن بالعمل الجماعي، ويحترم الاختلاف، ويقف بجانب من يحتاج إليه، ويعرف أن النجاح الحقيقي لا يقاس بما جمعه لنفسه، بل بما تركه من خير في حياة الآخرين..انساناً برتبه فارس, يرى الله كل يوم, فى نفسه و غيره..
لم تكن الحركة يوماً عرض مبهر, الكشافة أسلوب حياه تعلمنا فيها أن الطريق الطويل يبدأ بخطوة، وأن القيادة تبدأ بالخدمة، وأن القوة بلا حكمة قد تتحول إلى تهور، وأن الحكمة بلا شجاعة قد تتحول إلى تردد
ولهذا يبقى أبو الهول رمزًا مناسبًا لنا؛ شامخًا، ثابتًا، قويًا، وحكيمًا. يذكّرنا كل يوم بأن ما نبنيه اليوم قد يبقى أثره لعشرات السنين، وأن ما نغرسه في طفل اليوم قد يتحول غدًا إلى شخصية تصنع فارقًا في أسرة، أو كنيسة، أو مجتمع، أو وطن بأكمله
خمسة وعشرون عامًا مضت فى رعيه السريان الكاثوليك
لكن بالنسبة إلينا، هذه ليست نقطة وصول
إنها محطة نتوقف عندها قليلًا لننظر إلى الخلف بفخر، وننظر إلى الأمام بإيمان و نصبر على الثمر بحب؟
نشكر كل من سبق، وكل من أعطى، وكل من علّم، وكل من خدم، وكل من ترك أثرًا، وكل من سبقنا إلى السماء وترك لنا إرثًا من المحبة والعمل
ونعد الأجيال القادمة أن يظل أبو الهول كما بدأت: حركةً تصنع الإنسان، واقفه على قيم الانسانيه، وتعلم الخدمة، تبني المواطن الصالح
فى الخمس و عشرين عاماً القادمة قد تتغير الوجوة و الأدوات و الأشخاص..لكن ستظل القديسة كاترينا تضع الأنسان أولاً, تفتح ذراعها للجميع, و تبنى بنين و بنات قادرون باختلاف على تغيير العالم.
خمسة وعشرون عامًا من القوة والحكمة… وخمسة وعشرون عامًا من العطاء
أبو الهول… خمسة وعشرون عامًا، وما زلنا في بداية الحكاية
